عبد الله بن أحمد النسفي
379
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 154 إلى 156 ] وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 154 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 155 ) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 ) ذلِكَ تفضلا ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً حجة ظاهرة على من خالفه . 154 - وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه وَقُلْنا لَهُمُ والطور مطل عليهم ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أي ادخلوا باب « إيلياء » « 1 » مطأطئين عند الدخول رءوسكم وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا لا تجاوزوا الحد ، تعدّوا ورش ، تعدّوا بإسكان العين وتشديد الدال مدني غير ورش ، وهما مدغما تعتدوا ، وهي قراءة أبي إلّا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية ، وفي رواية نقل فتحة « 2 » التاء إلى العين فِي السَّبْتِ بأخذ السمك وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً عهدا مؤكدا . 155 - فَبِما نَقْضِهِمْ أي فبنقضهم ، وما مزيدة للتوكيد ، والباء يتعلق بقوله : حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ « 3 » تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم ، وقوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا « 4 » بدل من قوله : فبما نقضهم مِيثاقَهُمْ ومعنى التوكيد تحقيق أنّ تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد ، وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ أي معجزات موسى عليه السّلام وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ كزكريا ويحيى وغيرهما بِغَيْرِ حَقٍّ بغير سبب يستحقون « 5 » القتل وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع أغلف ، أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ هو ردّ وإنكار لقولهم قلوبنا غلف فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا كعبد اللّه ابن سلام وأصحابه . 156 - وَبِكُفْرِهِمْ معطوف على فبما نقضهم ، أو على ما يليه من قوله بكفرهم . ولما تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم عطف بعض كفرهم على بعض وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً هو النسبة إلى الزنا .
--> ( 1 ) إيلياء : بكسر أوله واللام ، وياء ، وألف ممدودة : اسم مدينة بيت المقدس ، قيل معناه بيت اللّه ( معجم البلدان 1 / 348 ) . ( 2 ) في ( ز ) فتح العين . ( 3 و 4 ) النساء ، 4 / 160 . ( 5 ) زاد في ( ز ) به .